علي الهجويري

280

كشف المحجوب

ولي فؤاد أنت مالكه * بلا شريك فكيف ينقسم فعند ما يكون اللّه هو المالك الوحيد لقلب عبده يجعله في غيبة وفي حضور كيف يشاء ، وحسب ما يقتضيه الوضع ، وهذا هو أسلوب الأحباب . ولكن عندما يفاضلون بين الغيبة والحضور تختلف الآراء حول الموضوع ، إذ يفضل البعض الحضور على الغيبة ، بينما يعلن الآخرون أن الغيبة أعلى قدرا من الحضور ، وهو نفس الخلاف الذي يدور حول الصحو والسكر ، الذي سبق لي شرحه . ولكن هاتين الكلمتين أي - السكر والصحو - تفيدان أن الصفات البشرية ما زالت قائمة . أما كلمتا : - الغيبة والحضور - فتفيدان فناء الصفات البشرية ولهذا فهما أعلى شأنا . ويفضل الغيبة على الحضور ابن عطاء الحسين بن منصور الحلاج وأبو بكر الشبلي وبندار بن الحسن وأبو حمزة البغدادي وسمنون المحب وعدد من شيوخ العراق وهم يقولون : « أن نفسك أكبر حجاب بينك وبين ربك » . فعند ما تغيب عن نفسك تفنى عنك كل الشرور القائمة فيك ، وتمر بمرحلة من التغير الأساسي فعندئذ تصبح مقامات السالكين حجابا لك ، ومقامات الباحثين مصدر تعب لك ، وتصبح عينك مغمضة عن نفسك ، ومن كل ما عدا اللّه ، وتحترق صفات بشريتك بلهيب القرب . إن هذه هي نفس الغيبة التي كنت فيها عندما أخرجك اللّه من ظهر آدم ، وأشهدك كلمته العلية واصطفاك برداء الوحدة ولباس المشاهدة . فكلما غبت عن نفسك حضرت مع اللّه دون حجاب ، ولكن إذا حضرت مع صفاتك البشرية غيبت عن القرب من اللّه وهكذا يصبح حضورك هلاكك . وهذا هو معنى قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ « 1 »

--> ( 1 ) سورة الأنعام آية 94 .